راشد كان بياكل بهدوء، يرفع عينه بين كل لقمة والتانية يبص لسلمى. كانت قاعدة قدامه، ماسكة كوباية الشاي بإيديها الاتنين عشان تتدافى، عينيها مثبتة على حرف الصينية بس مش بخوف.. بوقار وراحة. حط راشد المعلقة من إيده، ومسح بإيده على وشه، وبعدين سحَب دفتر غلافه أسود تقيل كان حاططه في جيب الجاكت من جوة، وحطه على السفرة بينه وبينها. سلمى رفعت عينها وبصت للدفتر، وبعدين بصت له: “إيه ده يا حاج؟
” راشد سحَب القلم الجاف من جيبه، وحطه فوق الدفتر: “دي دفاتر المزرعة والمخازن. حسابات العلف، وأجور العمال، ومبيعات الغلال.” سلمى استغربت، رمشت كذا مرة وقالت: “بس دي حسابات شغلك أنتَ.. أنا مالي بيها؟” راشد سند كوعيه على السفرة، وبصلها بعيون مليانة ثقة: “أنا راجل بفهم في الأرض والمواشي والسوق، بس الدفاتر دي من يوم ما كبر الشغل وأنا حاسس إنها هربانة مني.
فيه مصاريف بتضيع في النص، وفيه تجار بياخدوا بضاعة وآجل وبيتنسوا. لما سألت عنك قبل ما أجيلك، عرفت إن مخك في الأرقام أوزن من ميت راجل.” سلمى ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها كبرياء مكتوم: “أنا كنت بمسك حسابات دكان أبويا، بس المزرعة دي كبيرة أوي يا راشد.” راشد هز راسه بثبات وقال بصوت دافي: “ما يغلاش على مخك حاجة. أنتِ من النهاردة مش بس ست البيت.. أنتِ شريكتي في كل قرش يدخل ويخرج من البوابة دي.
” مسكت سلمى الدفتر، فتحت أول صفحة، وبصت للسطور المكتوبة بخط إيد راشد التقيل. بدأت تقرأ الأرقام وتراجعها بعينيها، وفي ثواني، صباعها وقف عند خانة معينة، رفعت عينيها وقالت بنبرة ذكية: “تُجار المواشي محتسبين عليك نسبة هالك 5% في الشحن.. النسبة دي كبيرة أوي على المسافة بين هنا وبين مركز التجميع.” راشد بصلها بذهول، وعينيه لمعت بإعجاب حقيقي، ضحك ضحكة قصيرة واطية.. ضحكة أول مرة تسكت جدران البيت ده من سنين: “أهو شفتي؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.