خليط من الذهول والغيرة على مكانتها في البيت اللي كانت بتديره لوحدها من خمس سنين. راشد لف لسلمى، بص في عينيها بثبات، وبعدين اتجه ناحية أم صابر وقال بنبرة هادية بس مفيهاش مجال للنقاش: “يا أم صابر.. من النهاردة، سلمى هي صاحبة البيت ده. الكلمة كلمتها، والمفاتيح في إيدها. أي حاجة تخص المطبخ أو البيت ترجعي فيها ليها الأول.
” أم صابر بلعت ريقها بالعافية، وشها اتشد، بس هازت رأسها بقلة حيلة: “أمرك يا حاج.. مبروك يا ست سلمى.” سلمى قربت منها خطوة، وبصت في وشها بابتسامة دافية وهادية، من غير أي استعلاء أو غرور: “الله يبارك فيكي يا أم صابر.. البيت ده قايم بيكي من سنين، وأنا مش جاية أغير نظامك، أنا جاية أساعدك ونشيل البيت سوا.
” أم صابر اتفاجئت بالكلام، ملامح وشها المتشنجة بدأت تفك شوية بشوية، وهزت رأسها بقلة حيلة احتراماً لموقفها: “ربنا يخليكي يا بنتي.. أصيلة من يومك.” راشد تابع الموقف بعينيه، وعلامات الرضا ظهرت في عينيه من غير ما يتكلم. مشي ناحية الباب الخشب الكبير، مسك الشال أطرافه وضبطه على كتفه: “أنا طالع المزرعة، عندي تسليم شحنة مواشي للتاجر، وراجع على المغربية. لو احتاجتي أي حاجة يا سلمى، معوض بره عند البوابة.
” سلمى هازت رأسها: “مع السلامة يا حاج.. ربنا يقويك.” أول ما خرج، الجو بقى هادي. سلمى ما ضيعتش وقت، ولا قعدت تحس بالانتصار. رفعت أكمام جلابيتها البسيطة، ومسكت الميدالية التقيلة في إيدها. نزلت المطبخ مع أم صابر، فتحت المخازن، بدأت تتفحص الحسابات والدفاتر، وترتب الرصيد اللي كان متلخبط من فترة. إيدها اللي كانت بتخيط الغرز بدقة في قماش الخياطة، بدأت ترتب البيت بلمسة أنثوية وذكاء عالي.
على المغرب، كان الجو بره بدأ يبرد والمطر يرجع ينزل بصوت خفيف على الإزاز. راشد دخل من البوابة. رجليه كانت شايلة تراب المزرعة وتعب اليوم. أول ما فتح باب البيت، شم ريحة بخور مستكة وهيل مالية المكان، والصالة اللي كانت دايماً ضلمة وباردة، كانت دافية، واللمبات القوية قايدة، وسفرة الخشب الكبيرة المفروشة عليها فطور وغدا متأخر مشكل من خير البيت، متعهد بكل ترتيب ونظافة.
وقف عند العتبة لحظة، كأنه بيستوعب إن البيت بقى فيه روح بجد. سلمى طلعت من المطبخ وهي ماسكة فوطة نظيفة وصينية فيها كوباية شاي بالنعناع سخنة. بصت له وقالت بابتسامة هادية: “حمد الله على السلامة يا حاج.. الشاي جاهز والأنوار قايدة، غير هدومك عقبال ما أحطلك الأكل.” راشد بص لها، وعينيه تقبلت الدفء اللي كان محروم منه سنين.
قلع الجاكت التقيل وحطه على الكرسي، وقال بصوت واطي بس دافي: “الله يسلمك يا سلمى.. البيت لأول مرة من سنين بحسه بيت بجد.” وقعد على السفرة، ولأول مرة من يوم وفــ,,ـــــاه مراته، ما قعدش ياكل لوحده.. قعدت سلمى قصاده، مرفوعة الراس، ست بيت المنشاوي بعيد عن عين الناس وقسوتهم، وبداية فصل جديد مفيش فيه مكان لكلمة “عاقر”. السفرة كانت هادية، صمت جميل مش زي الصمت المقيت اللي كان في بيت أبوها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.