الدفتر القديم

نُشر منذ 19 ساعة
حفظ
غلاف المقال

إلى أصوات الصحون المتكسرة في الظلام. إلى كل مرة كانت جدتي تقول لي لا تخلطي بين الاحترام والسماح للآخرين بأن يدوسوا عليك. تقدم أبي خطوة نحوي. وقال لقد ملأوا رأسك بالأكاذيب. أجبته جدتي تركت الأدلة. احمر وجهه. وقال باحتقار أمينة كانت عجوزًا تتدخل في كل شيء. لم أفكر. لم أتردد. رفعت يدي وصفعته. دوّى الصوت في الساحة كأنه انفجار صغير. تجمد في مكانه للحظة. ثم رفع يده ليضربني.

لكن هذه المرة لم تكن جدتي موجودة لتقف أمامه. هذه المرة كنت أنا من يقف أمام نفسي. نظرت إليه بثبات وقلت اضربني. اضربني هنا. أمام الجميع. تمامًا كما كنت تريد دائمًا أن تفعل عندما كانت جدتي تمنعك. بقيت يده معلقة في الهواء. وفي تلك اللحظة صرخت الجارة لقد اتصلت بالشرطة بالفعل! استدار أبي نحوها بغضب أعمى. وكانت تلك الثانية الواحدة كافية. أخرجت هاتفي من حقيبتي.

كانت المكالمة ما تزال مفتوحة. والمحققة ليلى كانت تستمع إلى كل شيء. أدرك أبي ما يحدث بعد فوات الأوان. اندفع نحوي محاولًا انتزاع الدفتر من يدي. وجذبني بعنف حتى كدت أسقط على الأرض. ولأول مرة في حياته تحرك كرار. ركض نحونا وهو يصرخ اتركها يا أبي! توقف! دفعه أبي بقوة نحو الحائط. فارتطم به بعنف. أما سحر فبدأت تبكي. ليس شفقة عليّ.

بل بالطريقة التي يبكي بها الشركاء عندما يدركون أن النار التي ساعدوا على إشعالها بدأت تقترب منهم. وفي الشارع الرئيسي بدأت أصوات صفارات الشرطة تقترب. فجأة استدار أبي وركض نحو داخل الشقة. تبعتُه دون تفكير. كان قلبي يخفق بعنف داخل صدري. فتح صندوق أدوات معدنيًا. وأخرج ظرفًا سميكًا مليئًا بالأوراق. ثم أخفاه تحت سترته. صرخت تلك تخص جدتي أيضًا! لكنه اندفع خارج الباب الخلفي للشقة. إلى الزقاق الضيق خلف البناية.

كانت الأرض مبللة ببقايا المطر. وكنت أركض خلفه بينما تنزلق قدماي فوق الطين. مررنا قرب عربة طعام شعبية. ثم قرب جدار مرسوم عليه عمل فني قديم. ثم قرب نصب صغير وضع عليه السكان بعض الشموع والزهور. وكانت المنطقة كلها تراقب المشهد. وصل أبي إلى الشارع الرئيسي. ابتلعته أصوات الحافلات والسيارات للحظات. ثم رأيته يغير اتجاهه نحو محطة النقل. كان يظن أنه سيختفي بين الناس.

كما كان يختفي دائمًا داخل أكاذيبه. لكن المدينة رفضت أن تخفيه هذه المرة. ظهر شرطيان أمامه مباشرة. وقطعا عليه الطريق قرب عربة لبيع الفطور. دفعت البائعة عربتها المعدنية الثقيلة أمامه كحاجز. وصرخت ليس من هنا أيها الحقير! تعثر أبي بقوة عند الرصيف. وسقط الظرف من يده. وانفجر محتواه فوق الإسفلت المبلل. تناثرت الأوراق في كل اتجاه. نسخ هويات. كشوفات مصرفية قديمة.

بطاقة تعريف مزورة تحمل اسمي. وصورة لامرأة لم أرها في حياتي من قبل. ركعت بسرعة أجمع الأوراق. ثم توقفت. كانت الصورة لأمي. إلهام. وكانت تملك عينيّ تمامًا. ليست عيني أبي. بل عينيّ أنا. في الصورة كانت تحمل سلة من المعجنات. وتبتسم أمام زينة شعبية بسيطة. وعلى ظهر الصورة كانت هناك عبارة مكتوبة بخط أنيق لمن رحلوا... لكنهم لا يُنسون أبدًا. ضممت الصورة إلى صدري. وانفجرت بالبكاء. بكيت أكثر مما بكيت يوم دفن جدتي.

وبينما كنت أبكي، كان رجال الشرطة يثبتون الأصفاد في معصمي أبي. راح يقاوم ويصرخ إنها ابنتي! أنا من ربيتها! رفعت رأسي ببطء. ونظرت إليه مباشرة. ثم قلت لا. أنت فقط عشت على حسابي. أما من رباني فعلًا... فلم تكن أنت. لم أقصد جدتي فقط. بل أمي التي رحلت. والجارات اللواتي كن يمنحنني الطعام عندما ينقطع الغاز. والمعلمات اللواتي أعطنني الكتب سرًا. وكل امرأة ساعدتني على الوقوف عندما حاولت الحياة إسقاطي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
نف

نهي فتحي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
79مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة