سعد محمود. غطيت فمي بيدي كي أمنع نفسي من الصراخ. قالت المحققة لم يستطع والدك سحب الأموال لأن جدتك اكتشفت التزوير فورًا. لكنها لم تستطع إنهاء تجميد الملف بالكامل. لذلك بقي الحساب مجمدًا حتى تحضري بنفسك وتثبتي أنك ما زلت على قيد الحياة. رفعت رأسي. لماذا لم تخبرني جدتي بالحقيقة؟ لم تجب مباشرة. فتحت ظرفًا أصفر قديمًا. وأخرجت رسالة مكتوبة بخط جدتي.
كان الخط مرتجفًا. لكن الكلمات كانت قوية. مريم... سامحيني. لقد أقسم سعد أنه إذا تكلمت فسوف يؤذيك حقًا. ظننت أنني أستطيع الانتظار حتى تكبري. ثم ظننت أنني سأحل الأمر وحدي. ثم جاء المرض. لكنني لم أسمح له يومًا أن يسرق حقك. سقطت دموعي فوق الورقة. في تلك اللحظة فهمت أن جدتي لم تكن امرأة ضعيفة أبدًا.
لقد قاومت بالطريقة التي تقاوم بها النساء البسيطات. النساء اللواتي يحملن الأطفال والديون والأسرار والأعباء الثقيلة دون أن يقيم لهن أحد تمثالًا. لقد حاربت المصارف. والأوراق الرسمية. والتهديدات. والمرض. وابنها نفسه. كل ذلك من أجلي. عندما خرجت من مبنى الادعاء العام، كانت السماء ملبدة بالغيوم. وكانت حركة المرور تملأ الشوارع بالضجيج. في البعيد كنت أرى المدينة تتحرك كالمعتاد. لكن داخلي لم يعد كما كان. تذكرت أن جدتي كانت تخاف دائمًا من المرتفعات.
ومع ذلك عاشت حياتها كلها فوق حبل مشدود. أوصتني المحققة ليلى بوضوح ألا أواجه أبي. وقالت إن مذكرة رسمية ستصدر بحقه. وقالت كل الكلمات القانونية الصحيحة. هززت رأسي موافقة. ثم فعلت الشيء الوحيد الذي لم يكن يجب أن أفعله. عدت مباشرة إلى البيت. كانت رائحة الزيت المحروق والرطوبة والطعام القديم تملأ البناية. وفي الساحة المشتركة كانت إحدى الجارات تغسل الملابس داخل حوض بلاستيكي أزرق كبير.
ما إن رأتني أدخل، وعباءتي السوداء ما تزال مغطاة بطين المقبرة، حتى اتسعت عيناها. وقالت بسرعة يا مريم... أبوك يبحث عنك كالمجنون. لم أتمكن حتى من الرد. فجأة انفتح باب الشقة بعنف. وخرج سعد. كان قميصه مفتوح الأزرار. وعيناه حمراوين بشكل مخيف. وخلفه مباشرة خرجت سحر وهي ممسكة بهاتفها. أما كرار فوقف عند الباب شاحب الوجه، وقد اختفت كل خفة ظله المعتادة. نظر أبي مباشرة إلى يدي.
رأى دفتر التوفير. فتغير وجهه. وقال أعطيني إياه. لم يقل يا ابنتي. لم يسأل أين كنت. لم يسأل إن كنت قد أكلت. لم يسأل إن كنت بخير. لم يسأل حتى إن كنت ما زلت أبكي على جدتي. قال فقط أعطيني إياه. ضممت الدفتر إلى صدري بقوة. ونظرت إليه مباشرة. ثم سألته لماذا أعلنت وفاتي؟ ساد الصمت في الساحة كلها. حتى الجارة أغلقت صنبور الماء.
ابتسم أبي. لكن ابتسامته هذه المرة كانت مرعبة. وقال أنت لا تعرفين شيئًا. قلت أعرف كل شيء. أعرف حقيقة أمي. وأعرف حقيقة التأمين. وأعرف أنك زورت شهادة وفاة باسمي. وأعرف أنك حاولت الاستيلاء على الأموال عندما كان عمري ثماني سنوات. أنزلت سحر هاتفها ببطء. وقالت سعد... فالتفت إليها بغضب وصاح اصمتي! أعادني ذلك الصوت إلى سنوات طويلة مضت. إلى الليالي التي كانت جدتي تقف فيها بيني وبينه. إلى أصوات الصحون المتكسرة في الظلام.
إلى كل مرة كانت جدتي تقول لي لا تخلطي بين الاحترام والسماح للآخرين بأن يدوسوا عليك. تقدم أبي خطوة نحوي. وقال لقد ملأوا رأسك بالأكاذيب. أجبته جدتي تركت الأدلة. احمر وجهه. وقال باحتقار أمينة كانت عجوزًا تتدخل في كل شيء. لم أفكر. لم أتردد. رفعت يدي وصفعته. دوّى الصوت في الساحة كأنه انفجار صغير. تجمد في مكانه للحظة. ثم رفع يده ليضربني. لكن هذه المرة لم تكن جدتي موجودة لتقف أمامه.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.