حكايات نرمين همام

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

دخلت المطبخ بخطوات سريعة، لقيت الحاج منصور قاعد بجلابيته البسيطة وشه في الأرض من الخجل، والحاجة نبوية ساكتة وبتمسح دموعها النازلة بسكات بياقة طرحتها. الناس دول كانوا جايين من أقصى قرية جنب كفر الشيخ من أذان الفجرية، قطعوا السفر والسكة الصعبة وهم شايلين بفرحة فرخة بلدي مربينها في بيتهم مخصوص عشان يارا، مع كرتونة بيض طازة، ولحاف صغير غرزين عليه اسم ابني “زياد” بكل حب وغزل إيدين.

أمي بقى بجمود قلبها كانت شايفه الهدايا دي مجرد “كركبة وكلام فارغ يكسف”. — البيت ده مش ناقص فقر ولا بلديات — أمي قالتها بجمود وقرف وهي واقفة على باب المطبخ — كفاية إني سمحتلهم يعتبوا باب الفيلا ويحطوا رجلهم هنا. الحاج منصور أول ما شافني دخلت، ساب المعلقة من إيده بشويش، وبرغم القهرة والوجع اللي كان باين في عينيه، اتحايل عليا بنبرة مكسورة وبترجي: — عشان خاطر يارا يا ابني، بلاش مشاكل.

. إحنا ماشيين أهو ومفيش حاجة حصلت. الكلمة نزلت على قلبي زي السكــ,,ـــــين. نزلت على ركبتي فوراً قدام رجليهم على الأرض المبلولة. — سامحوني وحقكم عليا فوق راسي… البيت ده بيتي أنا، ومفيش مخلوق على وش الأرض هيقل منكم أو يدوس على كرامتكم تاني تحت السقف ده. مسكت إيديهم بكل قوة وقوّمتهم، وطلعت بيهم طوالي على قلب الصالة الرئيسية بره في الجنينة وسط المعازيم.

أمي جرت ورانا زي المجنونة وهي بتركّب أعذار وتتلجلج بصوت واطي عشان محدش ياخد باله. أول ما وصلت عند الترابيزة الكبيرة الرئيسية، اللي صحباتها الانتيم قاعدين عليها بيشربوا عصاير فريش وبياكلوا أكل فاخر، حطيت إيدي تحت المفارش وشديتها بكل قوتي لفوق. الكبايات والأطباق الكريستال اتكسرت وتدشت على الأرض وصوت التفريغ هز المكان، المزيكا وقفت في ثانية والكل اتسمر في مكانه. — الحفلة دي انفضت!

— قلتها بصوت رعد هز الفيلا والجنينة — كل واحد يلم حاجته ويطلع بره بيتي فوراً! أمي اترمت على الأرض وهي بتصرخ وتضــ,,ـــــرب على صدـ,,ـــرها، وتبص للمعازيم اللي لسه واقفين مذهولين من اللي حصل. — شوفوا ابنكم عمل فيا إيه! ده ابني الوحيد اللي ربيته وشقيت عليه، وفي الآخر يمرمط كرامتي قدام الناس كلها عشان خاطر ناس غلابة وأرياف!

لكن المرة دي، محدش اتحرك ناحيتها ولا حاول يطيب خاطرها. يمكن لأن الكل شاف بعينه هي عملت إيه في حمايا وحماتي، ويمكن لأن محدش كان متوقع إن طارق الألفي، اللي طول عمره بيحاول يحافظ على صورة أمه قدام الناس، هو نفسه اللي هينهي الحفلة بالشكل ده. بصيت في عينيها بمنتهى الثبات، وقلت قدام الجميع: — كل طوبة وكل قرش في المكان ده اتبنى بعرقي وشقاي، وبفضل ربنا ودعوات الناس اللي بتحبني بجد.

واللي يستقل بحد أو يتكبر عليه عشان أصله أو ظروفه، ملوش مكان في بيتي ولا في حياتي، مهما كان مين! ما استنيتش ردها. مسكت إيد الحاج منصور والحاجة نبوية بكل احترام، وخرجت بيهم من وسط المعازيم. طلبت من السواق يفتح باب العربية، وركبتهم بنفسي، وبعدها طلبت منه يطلع على أفخم فندق في القاهرة ويحجز لهم جناح يليق بيهم. وقبل ما أركب، رفعت عيني ناحية شباك الدور التاني.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
نف

نهي فتحي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
79مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة