. من الأول للآخر. متخافيش من حاجة، أنا معاكي دلوقتي، ومش هسمح لأي حد يأذيكِ تاني. مسحت دموعها بمنديل قديم ممزق، وبدأت تحكي بصوت خافت ومرتعش، وكأنها تخاف أن تسمعها الجدران نفسها: من أول شهر بعت الفلوس، جت لي منى وقالت لي فلوس كتير قوي يا أمي، أحمد مش عايزكِ تهدريها، أنا هحطها في حسابي وأصرفلكِ كل يوم اللي محتاجاه عشان متضيعيش حاجة.
وافقتُ يا بني، كنتِ واثقة فيها.. بنتي الكبرى، كنتِ فاكرة إنها بتحميني وتخاف عليّ. سكتت للحظة، وتنهدت بألم عميق، ثم استكملت: أول شهر، جابت لي قليل من الخضار والخبز، وقالت الفلوس لسه مجهزة. تاني شهر، قالت الأسعار غالية ومصاريف البيت كتير، ومش عايزة تثقل عليكِ. ومع الوقت، بدأت تقلّ أكتر وأكتر. كنتِ أقول لها يا منى، أنا بنتك مش غريبة، خائفة عليّ أمرض وأحتاج علاج.
كانت ترد عليا بكل وقاحة: تعالي عندي يبقى، عندي أكل وشرب وراحة، بس بلاش تيجي تقولي لأحمد حاجة، هو مش هيتحمل وممكن يقطعنا عيشنا كلنا. قلبي اتقطع مع كل كلمة تقولها. يعني كانت تضغط عليكِ إنك متقوليش لي حاجة؟ كانت تؤثر عليكِ عشان ما أكتشف الحقيقة؟ كانت تقول لي إنك مش فاضي، وإنني عبء عليكِ، وإن لو عرفت هتتركني ومش هتبعت ولا مليم تاني.
كنتِ خائفة يا ابني.. خائفة أتوه وأبقى وحيدة. فسكتّ.. سكتّ سنتين كاملين، وأنا جوايا ألم كبير كل ما أشوف نفسي محتاجة حاجة ومش معايا ثمنها. قمتُ وقفت، وقلبي يخفق بقوة لا تصدق. سنتين.. سنتين وأنا في الغربة، أجتهد وأعمل ساعات طويلة كل يوم، أحرم نفسي من أشياء كثيرة عشان أضمن لها حياة كريمة، والفلوس تذهب لمنى لتعيش بها هي ومن حولها حياة مترفة، وأمي تتضور جوعاً وتعيش في بيت مهترئ بلا أدنى مقومات الحياة الكريمة!
نظرتُ حولي في الغرفة الصغيرة: السر,,ـــــير القديم المرقع، النافذة المكسورة التي يسقط منها المطر والبرد، الموقد الذي لا يعمل إلا بشق الأنفس. دموعي سقطت رغماً عني، لا حزناً بل غضباً.. غضباً على نفسي أولاً، لأنني لم أكن هنا لأحميها، وثانياً على تلك الأخت التي خانّت أمانة لم يكن من حقها أن تحملها أصلاً. مش هيسكت عن ده يا أمي.. مش هيسكت. كل مليم أخذته هيرجعلكِ، وحقك اللي اتسرق منكِ سنتين كاملين هيرجع.
. حتى لو كان الثمن علاقتي ببنت عمري كنتِ بحبها وبتمنى لها الخير. الجزء الثالث: المواجهة التي لم تتوقعها في اليوم التالي، ذهبتُ لبيت منى. وقفتُ أمام الباب الفخم الذي اشتراه من فلوس أمي المسروقة، وشعرتُ بالغضب يتصاعد في صدـ,,ـــري بلا هوادة. خبطتُ على الباب بقوة، وفتحت لي بابتسامة واثقة: أحمد! جيت امتى؟ مبروك العودة يا سيدي، تعالى ادخل، لسه كنتِ أفكر أكلمكِ أسألك وصلت ولا لا!
دخلتُ، ورأيتُ بأم عيني ما فعلته بفلوسنا: أثاث فاخر، تلفاز ضخم، أجهزة حديثة في كل ركن، وطفلها يلعب بألعاب باهظة الثمن على الأرض. جلستُ على الكنبة دون أن أنزع معطفي، وقلتُ ببرود لم أتخيل أنني أمتلكه: بيت جميل يا منى.. أكيد الإيجار بتاعه غالي، ولا الحاجات دي كلها هدية من السماء؟ تغيرت ملامح وجهها قليلاً، لكنها حاولت أن تظل هادئة: إيه يا أخي، جاي بلهجة غريبة؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.